عبد القاهر الجرجاني
49
دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )
فصل - الفرق بين " حروف منظومة " و " كلم منظومة " : 40 - ومما يجبُ إحكامهُ بِعَقب هَذا الفصلِ ، الفَرْقُ بين قولنا : " حروف منظومة " ، و " كلم منظومةٌ " . وذلكَ أنَّ " نظْمَ الحروفِ " هو تَواليها في النطق ، وليس نظمُها بمقتضى عن معنى 1 ، ولا الناظمُ لها بمُقْتَفٍ في ذلك رَسْماً منَ العقلِ اقتضَى أَنْ يَتَحرَّى في نظمِهِ لها ما تَحرَّاه . فلو أَنَّ واضع اللُّغة كان قد قال " ربضَ " مكان " ضرَبَ " ، لما كَانَ في ذلك ما يؤدي إلى فَسَاد ، وأما " نظمُ الكَلِم " فليس الأمر فيه كذلك ، لأنك تتفي في نظمِها آثارَ المعاني ، وتُرتِّبها على حسبِ ترتب المعاني في النفس 2 . فهو إذن نظمٌ يعتبرُ فيه حالُ المنظوم بعضهُ معَ بعضٍ ، وليسَ هو " النَّظم " الذي معناهُ ضمُّ الشيء إلى الشيء كيف جاء واتفق . ولذلك كان عندهم نظيرا للنسخ والتّأليفِ والصياغةِ والبناءِ والوَشْيِ والتحبير وما أَشبَه ذلك 3 ، مما يُوجب اعتبارَ الأجزاءِ بَعْضِها معَ بعضٍ ، حتى يكونَ لوضعِ كلِّ حيثُ وُضع ، علةٌ تَقْتَضي كونَه هناك ، وحتى لو وُضِع في مكان غيره لم يصلح . 41 - والفائدة ي معرفة هذا الفرقِ : أَنكَ إذا عرَفْتَه عرفْتَ أنْ ليس الغَرضُ بنَظْم الكَلِم ، أَنْ توالَتْ ألفاظُها في النُّطق 4 بل أَنْ تناسَقَتْ دلالتُها .
--> 1 أي ليس واجبًا لمعنى اقتضاه . 2 في المطبوعة : " على حسب ترتيبها " وفي الهامش : " في نسخة : وترتبها على حسب ترتب " . 3 في " ج " والمطبوعة : " وكذلك كان عندهم " . 4 في " س " : في " التطويل " ، وهي خطأ ظاهر .